الشيخ الطوسي
348
التبيان في تفسير القرآن
بئس ، ولا يجوزان يكون رفعا على قولك بئس الرجل عبد الله . وقال بعضهم : أولى هذه الأقوال أن تجعل بئسما مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله : اشتروا به . كما رفعوا ذلك بعبد الله ، في قولهم : بئسما عبد الله ، وجعل أن يكفروا مترجما عن بئس . فيكون التقدير بئس الشئ باع اليهود به أنفسهم بكفرهم ، بما انزل الله بغيا وحسدا ان ينزل الله من فضله . وتكون ان التي في قوله : " ان ينزل الله " في موضع نصب ، لأنه يعني به ان يكفروا بما انزل الله من اجل ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . وموضع ( ان ) جر . والكسائي جعل ان في موضع خفض بنية الباء وإنما كان النصب أقوم ، لتمام الخبر قبلها ولا خافض معها . وحرف الخفض إذا كان مضمرا لا تخفض به . المعنى : ومعنى قوله : " اشتروا به أنفسهم " اي باعوا به أنفسهم على وزن افتعلوا - من الشراء وسمي البائع الشاري بهذا ، لأنه باع نفسه ودنياه عنده . وأكثر الكلام شريت بمعنى بعت . واشتريت بمعنى ابتعت . قال الشاعر يزيد بن مفرغ الحميري : وشريت بردا ليتني * من قبل برد كنت هامة ( 3 ) ومعنى قوله : " وشروه بثمن بخس " باعوه وربما استعملت اشتريت بمعنى بعت . وشريت بمعنى ابتعت . والأكثر ما قلناه . وقوله : " بغيا " اي حسدا وتعديا . فان قيل : كيف باعت اليهود أنفسها بالكفر وهل يشترى بالكفر شئ ؟ قيل معنى الشراء والبيع - عند العرب - هو إزالة ملك المالك إلى غيره بعوض يعتاضه منه ، ثم يستعمل ذلك في كل معتاض من عمله عوضا - خيرا كان أو شرا - يقال نعم ما باع فلان نفسه به ، وبئس ما باع به نفسه . بمعنى نعم الكسب كسبها ، وبئس الكسب كسبها . وكذلك قوله : " بئس ما اشتروا به أنفسهم " ، لما أبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد " ص " وأهلكوها .
--> ( 3 ) طبقات فحول الشعراء : 555 من قصيدة له في هجاء عباد بن زياد - وكان قد باع غلاما لابن مفرغ : اسمه ( برد ) قوله : كنت هامة : اي كنت هالكا .